مجد الدين ابن الأثير
261
المختار من مناقب الأخيار
وأنت في رضاك وسخطك ، لست تقدر أن تتعدّى المقدور ، ولا تزداد في الرزق المقسوم والأمر المكتوب ، والأجل المعلوم ، ففي أيّ هذه الأفعال تريد أن تسأل « 1 » ؟ وبأيّ قوّة تريد أن تدفعها عنك عند حلولها ، كلّا واللّه لا بدّ من أن ينفذ فيك طوعا أو كرها ، فإن لم تجد إلى الرّضا سبيلا فعليك بالتحمّل « 2 » ، ولا تشك من ليس بأهل أن يشكى ، وهو من أهل « 3 » الشكر والثناء القديم ما أولى [ من نعمته علينا ، فما أعطى وعافى أكثر مما زوى وأبلى ، وهو مع ذلك أعرف بموضع الخيرة لنا منا ] فإذا اضطررت وقلّ صبرك فالجأ إليه بهمّك ، وأشك إليه بثّك ، وليكن طمعك فيه واحذر أن تستبطئه أو تسيء به ظنّا ، فإنّ لكلّ شيء سببا ولكلّ سبب أجل ، ولكلّ أجل كتاب ، ولكلّ همّ في اللّه وللّه فرج عاجل أو آجل ، ومن علم أنه بعين اللّه استحيا أن يراه اللّه يرجو سواه ، ومن أيقن بنظر اللّه له أسقط اختيار نفسه ، ومن علم أنّ اللّه هو الضارّ النافع أسقط مخاوف المخلوقين عن قلبه ، وراقب اللّه في قربه ، فاطلب الأشياء من معادنها ، واحذر أن تعلّق قلبك بمخلوق تعليق خوف أو رجاء ، أو تفشي إلى أحد سرّك ، أو تشكو إليه بثّك ، أو تعتمد على إجابة « 4 » ، أو تستريح إليه استراحة يكون فيها موضع شكوى فإنّ غنيّهم فقير في غناه ، وفقيرهم ذليل في فقره ، وعالمهم جاهل في علمه ، وجاهلهم فاجر في فعله إلا القليل ممّن عصم اللّه ؛ فاتقوا الفاجر من العلماء ، والجاهل من العبّاد ، فإنهم فتنة لكلّ مفتون « 5 » . وقال عبد اللّه بن سهل : بات عندي أبو الحارث الأولاسي فسألته عن
--> ( 1 ) في الحلية : « أن تحتال في نقضها بهمك ؟ أو بأيّ قوة . . . » . ( 2 ) في ( ل ) : « بالتجمّل » والمثبت من ( أ ) والحلية . ( 3 ) في الحلية : « ومن هو أهل الشكر . . . » . ( 4 ) في الحلية : « إخائه » . ( 5 ) الحلية 156 - 158 ، وما مرّ بين معقوفين منه ، وأورده ابن الجوزي في الصفة 2 / 430 - 433 بنحوه .